the emptiness inside maabar psychologist jeddah saudi arabia

الفراغ

كثير منا يسير في الحياة كالطيار الآلي؛ نستيقظ في عجلة بالغة، نتناول القهوة، نستحم، نحضرأنفسنا للعمل، أو نحضر أولادنا للذهاب للمدرسة، ثم أنفسنا وإذا بنا قبالة يوم جديد… حيث نعمل؛ نمارس الرياضة؛ نعد الطعام ؛ ننظف؛ نجري الاجتماعات أو المكالمات الهاتفية فالقائمة لا تنتهي. نحن ببساطة لا نتوقف!

والسبب الأول، ببساطة، هو متطلبات الحياة الحديثة. والسبب الأخر هو الهروب من الفراغ. ما هوالفراغ؟ كثيرون يشعرون به، يعرفونه. هو ذلك الشعور بالخواء الماثل في أعماقنا؛ لا نعرف ماهيته ولا سر وجوده. فهو بالضبط كما أسميته “الفراغ”. ومن ثمَّ، نتجنبه فنحاول شغل أنفسنا وعندما لا نكون منشغلين نشعر بالملل أو الاكتئاب؛ فنحن لا نستطيع التواجد مع أنفسنا.

يحاول كثير منا  شغل نفسه بأشياء خارجية، أشياء مادية. ويلجأ الكثيرون للمواد المغيرة للحالة المزاجية أوالمشروبات الكحولية   أو القمار أو الجنس وغالبا ما يظهر الإدمان. وفي مرحلة ما من مراحل علاج الإدمان يثير حديث التعافي موضوع الفراغ مصحوباً بمقولة “لم ولا أشعر بالارتياح مع نفسي ”  كم منا يشعر بذلك؟

إن الحياة الحديثة مليئة بروائع التكنولوجيا وأعتقد أنها قد جعلت حياتنا أكثر سهولة. ولكن في الوقت نفسه باعدت فيما بيننا؛ فمنذ زمن ليس ببعيد كانت أجيال العائلات تبقى في نفس القرية او على مسافة 26 ميلاً والآن نعيش في قارات متباعدة. من خلال سطور قليلة عبر بريد إلكتروني، أو رسالة نصية، أو مكالمة هاتفية من هاتفك الذكي أو إذا اردت أن تصبح من مستخدمي اسكايب! المهم (ألاّ تقطع الاتصال!)؛ إن غياب الاتصال الشخصي  لا يؤثر فحسب على علاقاتنا مع الأخرين وعلى خلق هذه الصلة معهم ، وهذا الاحساس بالانتماء، والذي يعد جزءًا مهماً في مسألة الفراغ؛ بل إنه يعمل أيضاً على فقدان الصلة  مع أنفسنا.

ويحضرني هنا مقولة الكاتب أوريا ماونتين دريمر في “الدعوة” حيث يقول:”لا يعنيني أين أو ماذا أو مع من تعلمت؛ أريد فقط معرفة ما تبقى بداخلك بينما تلاشت أشياء كثيرة.

أريد أن أعرف هل يمكنك أن تجلس وحدك مع نفسك وهل تسعد حقاً بهذه الصحبة “.

أرى ان الفراغ  يكمن في غياب الصلة مع أنفسنا ومع الأخرين؛ ذاك الغياب الذي يجعلنا نشعر بعدم الارتياح مع أنفسنا أوصلتنا بأنفسنا أو صلتنا الحقيقية بالأخرين. لعلنا نحاول أن نقتطع قليل من الوقت كل يوم لعمل هذا الشيء المختلف نوعاً ما والمتمثل في زيارة أوالبحث عن شيء أخر يتعلق بنا، شيء نحبه بالفعل وربما نتشاطره مع صديق أو شخص عزيز. من الممكن أن تمشي قليلاً او حتى ان تجلس وتتحدث حيث لا يوجد هواتف أو ألعاب أو تليفزيون أو صخب موسيقي أوألعاب فيديو. تبادل مزحة مع أحد الأشخاص.. قم بنزهة حتى وإن كانت حول منزلك؛ ربما تشعر تدريجياً بتقلص هذا الاحساس بالفراغ الذي ينتابك وفي يوم ما ستتحقق من أنك تستطيع أن تتواجد مع نفسك وأن تحب هذه الصحبة.

أتمنى لكم تمام الصحة والسعادة

جوزيف  الفسكي هيرميدا