دواء المرض العقلي

عادة، يفكر الطبيب النفسي في إعطاء دواء للمرض العقلي عندما يتعرض مرضاه لأعراض ترتبط بالوظائف الطبيعية للجسم  كالعمل أو العلاقات الاجتماعية أو الصحة  البدنية أوالنفسية. وتؤثر أدوية المرض العقلي بصورة طبيعية على نسب بعض السوائل الكيميائية المهمة  في المخ. وهذه الأدوية تعمل على زيادة أو تقليل ما نسميه ب “الناقلات العصبية”. وما أن يبدأ الدواء في التأثير حتى يرتفع مستوى هذه الناقلات ويشعر المريض ببعض التحسن وتقل الأعراض التي كان يشعر بها في البداية. ومع ذلك، مازال العلماء لا يعرفون كيف تؤثر هذه المواد الكيميائية أو الناقلات العصبية على الوظائف الطبيعية لدى الفرد. فعلى سبيل المثال، إذا وصف فيزيائي أو طبيب نفسي نوع معين من مضادات الاكتئاب وأبدى المريض عدم فعالية الدواء فسيفكر الطبيب النفسي في تغيير نوع الدواء حتى يشعر المريض بتحسن في حالته.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن كل أربعة أفراد هناك فرد  يتعرض لمشكلات الصحة العقلية وتظهر عليه أعراضها في فترة من فترات حياته. ويعد كل من الاكتئاب والقلق من المشكلات الأكثر شيوعاً. كما أن هذه المشكلات يمكن أن تظهر لأي إنسان بغض النظر عن الجنس، السن، العرق أو الثقافة. وللأسف، لا يستطيع الباحثون أن يحددوا أسباب المرض أو تداعياته على الوظائف الطبيعية للشخص. ومع ذلك، وبصورة عامة، يساهم تضافر العوامل البيئية والجينية في حدوث مثل هذه الأمراض العقلية. كما أن بعض الأحداث الصادمة أو الإصابات المخية تساهم في ظهور أعراض يمكن أن تستمر لسنوات.

ومن الجدير بالذكر أن جلسات العلاج النفسي / المشورة لها نفس أهمية الدواء لأن أعراض المرض العقلي يتسبب في ظهور أفكار ومعتقدات غير صائبة لدى المرضى. إن المساندة الاجتماعية المقدمة من الأسرة والأصدقاء، والجوانب الروحية وتغيير روتين الحياة اليومية ونظم أخرى للعلاج تعتبر مكونات رئيسية لتحقيق انخفاض فعلي في الأعراض وفي مقاومة ظهورها. وفي بعض الأحيان، عندما يعاني المرء من أمراض عقلية شديدة كالذهان وإحدى صور الإدمان، فدخول المستشفى يعتبر أول خطوة في خطة العلاج.

إن مراقبة أعراض المرض العقلي يتيح للمريض أن يحقق تقدماً في جلسات العلاج النفسي. وتبعاً للجمعية الطبية الأمريكية، فإن جلسات السلوك الإدراكي مع العلاج الدوائي كلاهما معاً يؤديان إلى تحقيق تقدم ملحوظ في بعض الأمراض العقلية كأعراض الاكتئاب والقلق  و النشاط المفرط المصاحب لاختلال عملية التركيز. وبالطبع، غالباً ما تؤدي الجلسات النفسية الفعالة  إلى خفض أو وقف العلاج الدوائي.

يفضل بعض الأشخاص عدم أخذ الدواء لأفكار مسبقة تتعلق بأنه غير طبيعي كما تتعلق بوصمة العار المرتبطة بقضايا الصحة العقلية. ومرة أخرى نقول بكل بساطة، إن الدواء يساعد الجسم على فرز المواد التي كانت موجودة بالفعل كما هو الحال بالنسبة لمريض السكر الذي يحتاج للأنسولين. ويقلق بعض الأشخاص من الأثار الجانبية المحتملة للدواء ولهؤلاء نقول: لن يكون للدواء الواحد  نفس الأثر الجانبي على كل شخص وبعبارة أخرى نحن جميعاً مختلفون عن بعضنا البعض، بعض الأشخاص قد يتعرض للأثار الجانبية للدواء في حين لا يشعر البعض الآخر بهذا الأثر على الرغم من تناوله نفس الدواء. في كلتا الحالتين، عليك أن تتحاور مع طبيبك في كل شيء يؤرقك. وفي كثير من الحالات، يكون هناك بدائل دوائية أخرى يمكن استخدامها.

كثير من الناس الذين يتناولون الدواء لفترة زمنية ما، عندما تختفي الأعراض يوقفون الدواء فجأة متصورين أنهم قد “شفوا”. وهذا ما يعرضهم لخطر جم لا يكون تأثيره السلبي على الصحة العقلية  فحسب، بل يمتد ليشمل الصحة البدنية أيضاً. فإن بعض الأدوية تحتاج نظاماً تدريجياً لإيقافها ؛ وهناك أدوية أخرى يجب أن يستمر عليها المريض فترة زمنية محددة لنتأكد من أن الجسم سيواصل إفراز الناقلات العصبية. إذا فكرت أو أردت أن توقف الدواء يجب أولاً أن تناقش المسألة مع طبيبك المعالج. إذا كان لديك أي شكوى من الدواء فعليك أولاً مناقشتها مع الطبيب المعالج. وعلى الأطباء أن يوضحوا لمرضاهم إذا قرروا الاستمرار في تناول الدواء أو وقفه لأن الدواء الذي يكون فعالاً مع شخص ما قد لا يكون كذلك مع شخص آخر. يجب أن يكون هناك حوار صادق ومتعمق بين الطبيب والمريض يشمل: تاريخ المرض (الأدوية السابقة التي تم أخذها ومدى فعاليتها)، الأعراض، التشخيص، الأهداف العلاجية،و تحويل الحالة للعلاج الطبيعي قبل البدء في العلاج الدوائي.

حان الوقت للتخلص من وصمة العار المرتبطة بالصحة العقلية. إن المرض العقلي حقيقة ليس خيال، لا يستطيع المرء التحكم فيه وهو مرض طبيعي كغيره من الأمراض البدنية. وكما هو الحال بالنسبة للمرض البدني فمن الممكن معالجة المرض العقلي. هناك متخصصون على درجة عالية من الكفاءة يستطيعون مساعدتك على طريق الشفاء.